الخميس، 16 ديسمبر 2021

مقبرة الإبداع وعصر الطفرة - كيف يساهم كل منا اليوم بإفساد الذوق العام - بقلم / عماد المقداد




    يتحسر اليوم معظم أبناء الأمة على مبدعيها الاستثنائيين الذين زينوا حياتهم قبل ثلاثين أو خمسين  أو حتى سبعين سنة من عاصروا آباءنا الكرام، والذين تربعوا على عرش الوجدان إلى اليوم، وأكثر ما يحدث ذلك في موضوع الغناء والألحان، والذي كان إلى قبل مئة عام مرآة ناصعة لوجدان للأمة، والحسرة حدثت على أنه لم يخرج مثل مبدعي الزمن الجميل ولا يوجد مثلهم اليوم، وبأن الأمة أصابها العقم الإبداعي في مقتل، فمقياس الرقي الحضاري في أي مجتمع وفي زمن ما، هو فنونهم ومخرجات إعلامهم ومسارحهم ومنعكسات ثقافتهم، والغناء والألحان هي أكثر ما يؤثر في وجدان الناس وثقافتهم وأكثر ما تهفو له قلوبهم، والقلوب هي أكثر ما يستوطن فيها الضمير النقي في الأمة .

    لو جلسنا لنحلل معطيات ومسببات هذه الحالة، لاتضح لدينا أن الموضوع حدث تدريجياً منذ بداية سبعينيات القرن الماضي بعد النكسة الأولى، وأن الأمة أصابها الكثير من المتغيرات المعيشية و النفسية نتيجة تطورات المجتمع وطغيان المادة أيضا على كل شيء .. !!

 ما الذي تغير منذ ذاك الوقت وإلى اليوم ..؟!!

مع تغير مجريات الحياة بظهور الرفاهية والنفط والبنوك والأموال، سعى هذا المجتمع وجنح نحو المادة بشدة وأصبحت ديدن حياته وشغله الشاغل، ففقدت الأمة بساطتها ونقائها واختلفت نظرتها، فعندما كانت الأمة تحتفظ بمساحة من النقاء كان الله يكرمها بظهور هؤلاء المبدعين، اليوم حتى نحن لا نشعر بوجودهم وننكره  ..!!

ما الذي حدث ..ّ؟


   إن ظهور الطفرة النفطية جعل الناس في مجتمعاتنا العربية خصوصاً في بلاد الشام ومصر وأفريقيا تتجه للعمل في بلاد هذه الطفرة وأنا شاهد على مرحلة كان الآباء فيها يُخرجون أولادهم من مقاعد الدراسة حتى من الصفوف (الابتدائية) ليتغربوا مبكرا ويذهبون للعمل بالتجارة في بلاد البترودولار ، فظهر الثراء المبكر على طبقة لم تكمل تعليمها ومع زيادة المال ازدادت مشاكل المال بين الأقارب وأصبحت لغة هذه المشاكل هي اللغة السائدة، وذهبت الفطرة والمحبة ..

ذهبت الفطرة .. فظهرت الفطريات ..!!

   وبالعودة للفن والمبدعين كما ذكرنا آنفاً هم انعكاس لأي مجتمع واهتماماته، وهم الواجهة والمرآة، فظهرت الفطريات في الغناء كتحصيل حاصل، وأصبحنا نرى أسماء مطربين على شاكلة عِدد نجارة وأشياء غريبة، تسيدوا الساحة، والمجتمع بجميع أطيافه رفع من شأنهم دون أن يدري لأن مجرد فضولك بالدخول على صفحاتهم على اليوتيوب وغيره يزيد من مشاهداتهم التي يتبجحون بها، وهم استعملوا هذا الغلو في المشاهدات بمئات الملايين للتسيد على المجتمع مع العلم أن أغلبهم لا يعرف أن يفك الخط، وأصبحت يا سيدي باستسهالك للضغطة الخفيفة على زر مشاهدة اليوتيوب تساعد بظهور هذه الفطريات وتدعمها فخسرت أمانتك وفطرتك وخسرت المبدع الحقيقي الذي ينتظرك أن تدعمه ليظهر، وأصبحت المجتمعات تخجل من كلمة فنان ، وبالتالي تقوقع الفنان الحقيقي فلا نتحسر على عدم ظهور بليغ حمدي آخر، لأننا خسرنا الفطرة والجمال والنقاء ..!!

   أخطر ما في الأمر ليس ذلك بل أنه رافق  عصر الطفرة وقبض العلم والعلماء أيضاً ظهور الفكر الخارجي في الفقه الإسلامي وتسيده الساحة الفضائية، فأصبحت الأمة بجهل مركب.! .. 


مركب، جهل بالثقافة الحياتية والأدبية والفنية وجهل بالدين.! ..

    وبطبيعة الحال كل تفريط في الثقافة يقابله غلو في ميزان الأمة وميزان العدل حتى تستوي الكفة وتستقيم، فتسلطَ كهنة قرن الشيطان النجدي على الأمة وأظهروا تطرفهم في فضائيات البترودولار وحرّموا الفن بالمجمل وكفروا وبدعوا وفسقوا، ونشروا شبهاتهم بين الجيل الجديد، لتسقط الفطرة الدينية السليمة أيضا، فطرة ( ساعة فساعة )، لنصل إلى قمة جبل الجليد، في ظهور ( الهرج ) القتل بين أبناء الأمة على أمور ثانوية في الحياة.


         فمسألة حرمة الفن لم تكن قبل مطروحة حين كان الفن بمجمله يحمله ويحميه العلماء والمشايخ فيقدمون أرقى الكلام والأنغام وتكون مجالسهم مجالس رقي وليس اختلاط وفجور ومجون ودعارة،  طبعا يصبح هنا حرام وألف حرام ، فالجميع كان يعلم أن منبر الفن أخطر من منبر المسجد وأسهل في الولوغ لقلوب الناس، وأصبحنا نرى أن الطفرة المادية وصلت لجيوب أهل ( ما يسمى الفن اليوم ) وظهر الأثرياء الجدد على أكتاف المجتمع الجاهل والمكبلة أيدي مثقفيه، حفلة واحدة لأي نجم مطرب  تغني آلاف الأسر الفقيرة ومع ذلك اليوم الأمة في قمة فقرها وعوزها، واكتمل الابتلاء بظهور عصر الوباءات الذي بدأنا نخسر فيه أحبتنا كل يوم، هكذا هي السنن وقوانين الله في الأرض .

أخوتي .. أخواتي ..

كل واحد منا مسؤول عن هبوط الذوق العام، وكل من يفتح اليوتيوب ويشاهد شطة ونطة ويعود لينتقدهم هنا في التعليقات يساهم في صعودهم وهبوط الذوق وظهور الغلو وأهله، فكل المجتمع مرتبط أمره ببعضه، ولنعد لرشدنا، فالمتقدمون من أهل الحكمة كانوا يتجاهلون الباطل لسفاهته فيذهب في غياهب النسيان سريعا ..

فلا يصبح ظاهرة تنحدر بالمجتمع لدرك الانحطاط ويصاب الإبداع في مقتل .

...

عماد المقداد 



....

روابط أخرى للمقال

روابط أخرى

الأحد، 12 ديسمبر 2021

" نورك" .. إشراقتك .. وجوهر سطورك


( مجلة نورك الثقافية ) مجلة عربية ثقافية شاملة - تصدر عن مركز العالم الإبداعي

رئيس التحرير / عماد المقداد

مدير التحرير  / محمد الحراكي

المراجعة والتدقيق / سائدة العبداللات

هيئة الاستشارة /

 عبده الحسين -  إحسان مارديني - فايزة رشدان - أبو عمار الملك